لطالما كرهت منتهى الأشياء.. و رقصت دوما على السلالم ؛ لألا تفقد المعاني مرادفاتها

أن تكون إنسانا

نسى الطين ساعة أنه طين                حقير فصال تيها و عربد
و كسا الخز جسمه فتباهى                و حوى المال كيسه فتمرد
يا أخي لا تمل بوجهك عني              ما أنا فحمة و لا أنت فرقد
أنت في البردة الموشاة مثلي            في كسائي الرديم تشقى و تسعد
لك في عالم النهار أماني                 و رؤا و الظلام فوقك ممتد
و لقلبي كما لقلبك أحلام                  حسان فإنه غير جلمد
لا يكن للخصام قلبك مأوى              إن قلبي للحب أصبح معبد
    ( إيليا أبو ماضي )

***

أنا إنسان …  أبيض أشقر ،أسمر أسود ، عربي أو أعجمي … لازلت إنسانا … هذا لا يغير شيئا …
أنا في كل مكان … من مشارق الأرض إلى مغاربها .. أنا هو من ستجدوه … لو تجردت من السواد و الحقد و الكراهية لوجدت نفسك أنت أيضا عدت إنسانا مثلي بالضبط .. لا تزيد عني بشىء .. و أنا … أنا الذي لم تسأم بعد من دهسي بقدميك لا أنقص عنك شيئا … و أنت لست طينا من النوع الغالي .. و انا لست طين حديقتك الخلفية الذي تربي عليه خنازيرك ، و تدفن فيه قذاراتك …
و مع ذلك لازلت أخي .. لازلت أخا لي في الإنسانية … و رغما عن ذلك مازلت تسلبني حقي … حياتي و أرضي و عرضي … مازلت ترى إني مجرد حيوان عليه أن ينقرض بصمت ، و تسلبني حياتي … لكن أخي حياتي ليست رخيصة لتسلبني إياها ، و حياتك ليست غالية لأفكر أن أملكها …

***

 بد أنك لا تعرفني .. هل من أحد ينسى ضحاياه ؟! لكن عذرك أنه من كثرة ضحاياك ربما يصعب عليك تذكر كل وجه … و لا الشعور بكل ألم  … و لا الندم بعدد الآلام
التي نشرتها …
كل ما أعرفه هو أنني كنت أسير ذات صباح مشرق في بلدتي … كان هذا في أغسطس … و لا يمكنك أن تتخيل مدى جمال بلدتي في أغسطس… جنتي الصغيرة …
انا لا أعرف ماذا حدث … آخر ما أذكره كان رؤية جسم يهبط من السماء .. ثم … لم يعد شيئا كما كان … السماء لم تعد كا كانت … فقد كانت بسواد قلبك … الهدوء لم يعد  ذلك المشوب بزقزقة العصافير  ..هل هو الصراخ أم صمم الآذان … لم أدر .. و لن أدري … حتى انا لم أعد كما كنت … لقد تساويت بالطريق … الذي ما عاد طريقي الذي ألفته … بعد كده ستعرف أن من عاش .. لم تعد حياته حياة … لا بد من سرطان هنا و هناك … عيوب خلقية …  اجيال كنا نأمل فيها الغد ماتت قبل ان تولد …
قل لي أخي هل فكرت يوما قبل أن تنام أن تبكي على آثامك ؟ هل بكيت هيروشيما ؟

***

 

***
كان هذا يومك أخي … لا بد أنك استمتعت كثيرا في بلدتي … لابد أن ليلها شهد عليك … لا بد أن قائدك من بعيد كان سعيدا بك … هو يحب أن تتم مثل هذه الأمور في صمت … أسائل نفسي كم شخصا غيري و أسرتي و جيراني ذبحت ؟ كانت حصيلتك آلافا … حتى أنه لم يعد على سترتك مكانا واحدا نظيفا … غسلتها في نهر دم …
لابد أنك أرهقت … لا بد أنك بعد ساعات قليلة عدت إلى بيتك … لا بد أن امرأتك هلعت عليك و سألتك إن كنت مصابا … لابد انها سعدت كثيرا بنفيك من ثم لم تشغل نفسها بتلك الدماء … لكن لا بد أن الفضول غلب أطفالك و سألوك عن مصدر هذه الدماء …
فأنارت بسمتك وجهك … كم الحياة جميلة بين اطفالك … إنهم يكبرون بسرعة و يبغون التعلم … لابد أنك قصصت لهم تلك االقصة عن الأشرار  الفلسطينيين الذي قضى عليهم والدهم .. لقد كانوا أشرارا جدا !… لابد أن أطفالك انبهروا ..  لابد انهم افتخروا بأبيهم و إن كنت لم تقل لهم ماذا فعل هؤلاء الأشرار …
يكفي أنك سعيد بأطفالك … و تراهم بعينك المستقبلية … هم المستقبل كله … لأنهم من (الصبرا ) …


***
أعتب عليك أخي …  دققت على بابك و لم تأذن لي بعبور عتبة دارك حتى … تقول أنك تحرص على نظافة منزلك … و هذا حققك … لكن ما ذنبي أنا إذا تساقطت الرمال مني مع كل خطوة أخطوها … هل هذا ذنبي … ما شأني أنا إذا كانت هذه رغبتك السادية …أن توقفني لعدة ساعات في الشمس المحرقة لأحفر … أن تجعلني أحفر قبري بيدي ..
سأدفن حيا .. و مع ذلك لا بد أنك لا تنسى نظرتي الأخيرة … أنا اعرف الرعب عندما أراه … و انت أمامي كنت الرعب متجسدا … و كأنني الشيطان نفسه … رغم انك من ستقتلني إلا انني لم أخف مثلما خفت انت … أنت تعرف أنني ساكون اسوأ كوابيسك … لن تنعم بسريرك الدافئ كل ليلة … كثيرا ما سأزورك … لن أمثل بك كما فعلت بي … و قتلك لن يكون لأنك قتلتني … بل لأنك ذات يوم فكرت في أرض ليست ارضك .. و حلمت بنهر ليس نهرك … و تعددت آثامك … ففي كل مكان خطوت فيه قتلتني … لن أعد لك المرات يكفي أن ربي يحتفظ لك بها …ولو لم أقتص منك في حياتك … لا أحب أن أتخيل قصاص ربي العادل …

***
رغم صغر سني .. رغم عدم معرفتي بكم الكراهية و الحقد في قلبك … إلا أنني أعرف أنك السبب في ما جرى لأسرتي … تأمل وجهي مليا .. هل تذكر تلك الملامح …
لا تذكر ؟! نعم ، نعم … معذرة الآن تذكرت … كيف تتذكر ملامحي و أنا بلا ملامح …  لكن أليس هذا خطأك منذ البداية ؟ كان يمكنك أن تتعرفني إذا ل تكن فعلت ما فعلت .. قل لي لماذا بقرت بطن أمي و هي تحملني … هل لهذا سبب ما ! لابد انها كرهتك و بغضتك حينما اقتحمت دارها … و لابد أنك كنت حقيرا بما يكفي لتقوم بفعلتك …كذلك اخي الكبير الذي هو انا .. ها هو يأتي من بعدي … لماذا كل هذا الهلع … آه هل هي رأسي المحطمة  مرة أخرى ؟ .. رغم ان هذا  كان محببا إليك عندما مسكتني من قدمي و تطوحني  في الجدار … سيتحدث العالم كثيرا و يغضب أكثر … ثم يمضي الأمر كما كل شىء آخر في عمرك المجدول بالعار ..
و لن تحاول قراءة صحيفة قديمة … تحمل عنوان … ” حدثا في دير ياسين ” …
***
هل اكتفيت أخي ؟! هل رأيت الفارق بيني و بينك ؟ أنا اسعى لإخوة في الإنسانية دون أخذ في الإعتبار لون أو جنس أو دين … بينما أنت تهدم الإنسانية عن آخرها .. ترى أن تكون حقيرا أكثر لتصل أسرع … تراني متخلفا لأنني لم  استول على أرض غير أرضي و أعيش فيها …انني أحمق لاني ابحث عن أبسط حقوقي … أنني ضعيف لأنني أريد أن أعيش في سلم … و أنني حيوان لأن مدنيتك القذرة لم تلوثني بعد …
آسف حقا لو أنك تراني كل هذا فاعلم أنني افخر بما أنا علي … على الأقل أنا أناضل من أجل حياتيو حريتي … و أنت لا عمل لك إلا أن تسلبني هذين الشيئين … أنا رغم فقري أعطي .. و أنت رغم كل ما عندك مازلت تأمل في المزيد … أنا سأحيا ابدا … و انت ستموت … دوما سيكون الموت مصيرك و نهايتك … فدولة الظلم ساعة …
اعذرني إذا كانت دمائي لوثت سجادك الفاخر … اعذرني لأنني زحفت على ركبتي عليها حتى وصلت إليك … اعذرني في عدم مصافحتك … فلا أيادي لي …
اعذرني في أن أسألك : ما الداعي في تقطيع أطرافي عندما قمت بمذبحتك تلك ؟!
لابد أن زوجتك سوف تتشاجر معك على السجاد الفاخر … لكن قل لها إن بقع  دمائي هذه هي أطهر شيء في دارها …

Advertisements

15 تعليق

  1. 😯
    عظيم جدا …
    موضوع في غاية الروعه ….

    يوليو 19, 2008 عند 10:02 ص

  2. واعجبي على تلك الانسانية ..

    اعتقد بإن السجادة من اللون الأحمر سيختفي عقاب هذه الليلة ..

    وسيجد عذرا آخر فلا يريد أن يكون مقيدا بسيدته ..

    موفقه

    يوليو 19, 2008 عند 2:41 م

  3. موضوع مؤثر صراحة 😦

    يوليو 20, 2008 عند 6:16 ص

  4. موضوع لا يستحق الا التقدير والشكر
    بالفعل اكثر من رائع

    يوليو 20, 2008 عند 3:58 م

  5. لامجال للتعليق
    فروعة ماخطت أناملك ألجمتني
    تحيتي لك يامبدعة

    يوليو 20, 2008 عند 7:05 م

  6. أنتي أروع من الرائعة جميلة كلماتك ..

    يوليو 20, 2008 عند 11:57 م

  7. بالفعل حقا ماشاء الله عليكى .
    بجد اسلوبك جميل وموضوع اكثر من رائع.
    تحياتى لكى ولقلمك الرائع .

    يوليو 21, 2008 عند 12:41 ص

  8. max13

    في شعورك الإنساني هذا اسقاط لشخصية عذبه رقيقة محببة لديك من الكلام والصور والعبر ما قد يعجز هرم حكيم عن قوله شكرا لفكرتتك الجميلة هذي
    جمت بخير

    يوليو 21, 2008 عند 11:26 ص

  9. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أحييك على هذا الطرح القيم
    كلمات محملة بمشاعر راقية وإنسانية سامية
    بارك الله فيك وأعزك
    أخوك
    محمد

    يوليو 22, 2008 عند 8:38 ص

  10. radar

    أحدهم سئل عن الجلادين في السجون …
    أليس لهم أسرة ؟؟؟
    أطفال ؟؟
    زوجة ؟؟؟
    كيف يعاملهم ذلك الجلاد ، و كيف يعطف عليهم ، وفي نفس الوقت يصب العذاب على هؤلاء الأبرياء …
    مثال آخر ، عندما يمسك الناس بـ ” لص ” في الشارع أو في المترو ، فإنهم ينهالون عليه ضرباً ، لست أدافع عن اللص ، ولكن هؤلاء الناس هم نحن ، لم نفكر لحظة واحدة فيه ، أو في دواعيه للسرقة …

    ” لابد أن زوجتك سوف تتشاجر معك على السجاد الفاخر … لكن قل لها إن بقع دمائي هذه هي أطهر شيء في دارها …. ”
    لاتعليق …..

    ——
    الساحرة الصغيرة ::
    بصراحة اسم على مسمى ، المدونة أكثر من رائعة ، تصفحت معظم صفحاتها …
    تقبلي تشجيعي …
    هذه زيارتي الأولى

    في آمان الله

    رادار

    يوليو 22, 2008 عند 3:10 م

  11. والله شيء مؤسف أنو العصبية منتشرة بيننا 😦
    وغيرنا عما يقتّل ويذبح

    شكراً لكٍ على هذا الموضوع المميز

    أدهم 🙂

    يوليو 22, 2008 عند 8:52 م

  12. بوست رائع فعلاً، ومع إيليا أبو ماضي.. الله ! روعة 🙂

    سلمت يداك ساحرتنا الجميلة .

    يوليو 25, 2008 عند 1:03 ص

  13. مُـنِـيـرَة

    ماشاء الله ..

    موضوع قوي

    يوليو 26, 2008 عند 9:01 ص

  14. رغم انك من ستقتلني إلا انني لم أخف مثلما خفت انت … أنت تعرف أنني ساكون اسوأ كوابيسك … لن تنعم بسريرك الدافئ كل ليلة … كثيرا ما سأزورك …

    الله على الكلام الساحر من ساحرة صغيرة. هل صور الأطفال في الأعلى من مجزرة صبرا و شاتيلا؟ لأنني قرأت في كلمك عبارة (الصبرا).

    جميلة جدا قصيدة إيليا أبو ماضي.

    يوليو 26, 2008 عند 12:27 م

  15. بـِ صـرآحهـ .. لم أقرأ موضوعـك كلهٌ .. !

    إنبهرت في بدآيتهـ .. !! فمـآذآ سـ يحصل لي في نهآيتهـ .. ؟

    سـوف أقرأه عندمآ أكون صآفية الذهن والبآل ..~

    رعآك الله وحفظك من كل شر ..

    سجلي إعجآبي الشديد بـِ إطروحآتك ..

    سبتمبر 14, 2009 عند 9:36 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s