لطالما كرهت منتهى الأشياء.. و رقصت دوما على السلالم ؛ لألا تفقد المعاني مرادفاتها

و مازالت ترسم الشمس ( قصة قصيرة )

و مازالت ترسم الشمس
سار شارد الذهن .. تعبث برأسه ألف فكرة و فكرة .. هذا هو النشاط الطبيعي لأفكاره .. يوميا على هذا الحال .. ليس المهم فيما يفكر و لا  إلام يوصله تفكيره ..غالبا لا يوصله إلى شيء ..فقط يعرف  انها أفكار حزينة غالبا ..تمرق دون إستئذان و من بينها أحيانا تطفو تلك الإبتسامة على شفتيه .. إبتسامة مشبعة بالألم ..
قديما أرادها مليئة بالأمل  .. ثم وجد أن الأمر ليس متعلقا بإرادته

الآن صار يعرف قواعد اللعبة .. دائرة يدور على حدودها .. حدودها فقط .. هذا هو الفرق بين محيط الدائرة و مسطحها .. فلو كان الأمر بخصوص مسطحها فكان حينها سيكون أمامه خيارات متعددة و طرق يسلكها  .. أما حدود الدائرة فهو الخط الرفيع الذي ما أن تنهيه يعيد نفسه من جديد .. الخيار الوحيد هو أن يقفز خارج الدائرة .. و حينها لن يكون واثقا أن هذا خياره هو …
يضيق كثيرا بفلسفاته هذه  لا تغني و لا تفيد … سخر من نفسه .. فكر أنه لو كان من جيل  سقراط أو هؤلاء الفلاسفة لصار نجم زمانه .. أن تجلس و تتفلسف فوق العشب الأخضر أو على شاطئ البحر  لهو أجمل من أن تتفلسف و أنت تسير في يوم شاحب كهذا ..  هو يعرف انهم بالتأكيد لم يجلسوا يتأملوا جمال الطبيعة و يتفلسفوا و هم  يضعون  ساقا فوق الأخرى .. بل ربما كل فيلسوف كان يحمل أضعاف همومه .. حينما يجن المرء  يصير جنونه فلسفة عبقرية تبهر الآخرين .. هذا أبدع ما حدث لهم .. هذا هو الجنون الذي لم يعذب الفلاسفة .. عذبنا نحن حينما أتينا من بعدهم نطلب الفهم و المعرفة .. أنت لم تحمل ما حمله كل منهم في أعماقه ..  أحلامه ..آلامه .. و مخاوفه .. و لكن تريد أن تجني كل شيء  و لم تصل بعد لذلك الإحساس ..
الآن تشتعل رأسه بهذه الأفكار .. لعن أفكاره التي ترهقه ..لعن  صديقه الذي أعطاه موعدا و تأخر هكذا ..   و تلفت حوله  و هو يلعن الملل الذي يشعر به .. نهار شاحب هو  لم تظهر له شمس .. هذا هو الوقت الذي يتصرف فيه الشتاء بوقاحة الأطفال الصغار.. طفل لا تستطيع معه فعلا .. هو طفل لا يملك مبرراته .. يذكره هذا النهار بنهار يوم امتحاني ما .. ربما حينما كان طفلا .. منذ زمن .. نعم هذه الأيام الشاحبة لا تليق إلا بامتحان رياضيات .. لم يعرف فيما يمضي وقته و هو ينتظر .. تلفت يمينا .. تلفت يسارا .. ثم استقر بصره أمامه .. كانت أمامه حافلة من تلك الخاصة بالمدارس .. هذا يومك يا فتى .. كل الظروف تتعاون لتذكرك بطفل ما كنت تعرفه .. رغما عنه نفض ذكرياته جانبا و أخذ يتفحص الحافلة التي كانت تبدو و كأنها في انتظار التلاميذ بينما استقر داخلها بالفعل بضعة أطفال صغار  ..
كم كانت جميلة ..رقيقة و .. صغيرة ..لم يكن جمالا أخاذا أو صارخا .. ولكن كان الجمال الذي تصنعه كم البراءة التي تنطلق من الأعين … كانت لا تزيد عن  خمس سنوات .. طفلة صغيرة جالسة إلى جانب احدى نوافذ الحافلة .. لطالما آمن أن طفلا بريئا   لهو أجمل من طفل جميل لا يملك سوى جماله و .. وقاحته  ..
و هي كانت ترسم على النافذة باصبعها الصغير .. اللعبة القديمة التي طالما لعبناها .. الأبخرة تتجمع على الأسطح الزجاجية بفعل برودة الجو فنرسم اشكالا و نكتب عليها ..
وقف يرمقها و يتأمل حركات يدها الصغيرة .. دائرة و تخرج منها الخطوط .. ابتسم ابتسامة صغيرة .. تعرفين الشمس يا صغيرة .. حتى و هي غائبة عن الجميع لا تغيب عنك … ما هي أقصى مشاكلك صغيرتي ..  ربما هي كلمة ” أسد ” التي مازلت تخطئين في كتابتها .. هل هذا يستحق غضب أمك و أبيك .. أم هي معلمتك التي تصر على أن تكتبي على كل سطر من تسعة سطور .. و إذا جاء الحرف فوق الخط قليلا أنبتك على فعلتك الشنعاء .. لماذا لم تحاولي اقناعها انه طالما هي لا تلتزم بأي سطر حينما تكتب على اللوح فأنت الأخرى لك الحرية في تجنب السطور ..
ستكبرين صغيرتي .. ستكبر مشكلتك و تخرج عن كونها أزمة سطر … اكبري قليلا لتعرفي انها ربما مشكلة  محمد علي .. هذا الرجل قد حقق في حياته الكثير من الإنجازات كيف السبيل إلى حفظها عن ظهر قلب … قليلا بعد ستكون المشكلة انه يراه عصي الدمع شيمته الصبر .. حقا هذه ازمة يصعب حلها في أيام كهذه .. أو ربما تكوني قد سلكت أسهل الطرق لكن ليس أصلحها فتكون أعظم مشكلة بالنسة لك هي انك تهيمين بصديقك  حبا و هو لا يعبأ بك  .. معذرة ظننتك أكثر إحتراما .. غريبة جدا الأيام التي تحول الطفلة الصغيرة حبيبة أبويها التي تركب دراجتها فيدفعها والدها إلى تلك الفتاة المستهترة التي لا تفعل شيئا في حياتها إلا أن  تصادق هذا و ذاك ..
أمعن النظر فيها و هي لا تزال ترسم … أضافت بعض السحب إلى شمسها .. فكر أنه أجمل رؤية تلك التي تراها بعين طفل ..  ما الذي يضير إذا كانت الشمس لا تخفي جزءا من الغيمة .. أو الغيمة لا تخفي جزءا من الشمس .. كل شيء كاملا .. بلا نسب .. كل شيء هو الصدق عينه .. الحقيقة حينما تكون حقيقية .. هذه هي .. حينما لا نغلفها بمشاكلنا و عقدنا النفسية …
الاآن تضيف الزهور الصغيرة .. صغيرة نعم لكن بنفس حجم الشمس ..  ابتسم في سخرية … لعن الزهور .. تلك التي لن يقدمها لزوجة يحبها .. بالتأكيد لن يتزوج من امرأة يحبها .. بالتأكيد لن تكون زوجته في رقة Mandy Moore … لن تحبه بدرجة  انه لو بدت أحلامها بعيدة ستطالبه بأن يغني لها عن ما خططه لها .. ما أدراه انها ستكون صاحبة أحلام من الأساس … هو يعرف أنه لن يغني لحبيبته عن ما خطته لها .. كل ما يحتفظ به الآن و مستقبليا هو أغنية قديمة لعبدالحليم طالما رددها و يرددها .. تدوى في أعماقه .. ترتفع إلى رأسه …  تطغى على أحلامه …

” قل لي إلى أين المسير .. في ظلمة الدرب العسير .. طالت لياليه بنا  و العمر لو تدري قصير !”
” قل لي إلى أين المسير .. في ظلمة الدرب العسير .. طالت لياليه بنا  و العمر لو تدري قصير !”

أن تعيش تلك الحياة و تستمر في لإقناع نفسك أنك صاحب حال وسط … أنت الحد الفاصل بين الحقيقة و الخيال .. الحد الفاصل بين الذكاء و الخبال  بين الكفر و الإيمان … هذه عصاي و أنا أمسك بها من منتصفها .. تبا لك ..  تبا لغبائك ..
فجأة استفزته رسوم الطفلة .. أراد محوها .. و مضت الحافلة متمهلة في البداية .. بالتأكيد لو رحل سيمحو الرسم .. نعم لو ذهب هناك سيفعلها .. لو رأته الطفلة لتركت كل ما تفعله و عرفت منه حقيقة الأمور ..
و لم تمض الحافلة إلا و قد قفز أمامها .. ” حذار يا أحمق ” ..
أحمق هو .. لأن كل ركاب الحافلة تجمعوا على الباب ليروا ما حدث إلا طفلته تلك التي بقت لترسم الشمس  ..
أحمق هو لأنه علم أنهم سيأخذوه دون أن يمحو رسمها …
أحمق لأنها رغم كل شيء .. و رغم ما محاه الوقت من الرسم إلا أن  خربشات بسيطة بقت .. شمس صغيرة .. و حينما نامت الصغيرة كان شعاع صغير من خارج النافذة يتسلل على وجنتها ..
حينما كان هو ملقي أرضا أمنيته الأخيرة أن يصل صديقه و يتعرف عليه لأن الأحمق نسى
حافظته  التي تحوي تحقيق شخصيته ..
و ارتفع الصوت يكمل ما بدأه ..
” يا فاتنا عمري .. هل انتهى أمري .. أخاف أن أمشي في غربتي وحدي .. في ظلمة الأسر …”

Advertisements

One response

  1. الساحرة الصغيرة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كلماتك تتفجر بطاقات كبيرة تنبئ عن موهبة عظيمة
    لك منى كل التقدير والاحترام

    موضوع جدير بالقراءة والإطلاع والتأمل والتدبر

    بارك الله فيك وأعزك

    اخوك
    محمد

    فبراير 9, 2009 عند 5:10 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s