لطالما كرهت منتهى الأشياء.. و رقصت دوما على السلالم ؛ لألا تفقد المعاني مرادفاتها

انتقال ( قصة قصيرة )

ما أبشع ألا تستطيع مداراة دموعك عن من لا ينبغي لهم أن يروها  … !! و ما أصعب أن تكتشف حقيقة أن بعد كل ما مضى أنه ليس لديك  ذلك الصدر الذي يمكنه أن يتحمل ثقل  ما تحمله رأسك .. و لا هناك ذلك القلب الذي بإستطاعته حمل عنك ما في قلبك و لو القليل منه .. فقط القليل ..

هل طالبت يوما بالكثير .. هل طالبت بأكثر من المعتاد ..  أو طالبت بما لا يستطيع أحد إتيانه .. لماذا تصير حياتها كلها إذن على تلك الوتيرة .. الأقرباء إليها  يبدون كقارئي الغيب إذا تعلق الأمر بآلام اللآخرين .. أما آلامها هي فمن يأبه .. أولا تصمت ..أولا تنعزل عنهم .. و أحيانا تدمع و يسيل الدمع أنهارا .. وبعد لم يعلموا شيئا ..  يا للألم حينما يعصف بك ولا تقابل من الجميع سوى التجاهل التام .. ألا يروا أم ماذا ؟

يقولون انها تكون قاسية في بعض الأحيان .. ردودها بها حدة غير مبررة … و هناك ظنهم الدائم انها لا تحفل بشيء و لا بشخص .. هناك دائما من لا يفعل .. لكن هي تفعل و تحفل .. أو ربما كانت تفعل حتى وقت قريب .. ثم .. لم تعد هناك أي إنفعالات .. لا شيء .. هل فترت تماما ؟ هل؟

لكن لو كانت فترت تماما إذن لم كل هذه الدموع المذرفة كل حين .. و هذا الألم الذي يعتصرها   و هناك تلك الجدران الأربعة و الفراغ بينهم الذي يبتلعها  .. و في ذات الوقت كالهم المقيم يجثم على صدرها .. و هناك تلك الغصة المريرة ..تختنق .. و من قال أن نسمة هواء دائما هي الحل .. حتى الهواء يحكم عليها بمزيد من اختناق .. لم تتمالك نفسها .. مددت يدها و التقطت سلسلة مفاتيحها  ثم مسرعة خرجت .. نزلت الدرج و هي تجري .. كأن شيئا خلفها يهدد حياتها .. ربما الماضي .. أو حاضرها .. أو ذلك الغيب الذي تهابه أكثر شيء .. مستقبلها .. وصلت إلى باب سيارتها .. ارتعشت يداها عدة مرات قبل ان تولج المفتاح و تفتح بابا و تستقلها أخيرا .. و انطلقت .. لا تلوي على شيء و لا مكان .. فقط راقها أن تسرع .. تلك الموجودات على جانبيها و التي تمر بها سريعا دون أن تفكر أو تهتم بالنظر لها .. لديها سلطان ما هنا .. قرار ما .. بإرادتها يسير الأمر .. مرة واحدة تملك الحكم و الخيار.. مددت يدها تعبث بأزرار المذياع .. لعلها تجد شيئا ما .. فقط لأنها بحاجة  إلى أن تشعر بأن هناك أحد ما إلى جانبها .. ليست غريبة عن هذا الكون .. بحثت طويلا ثم توقف بحثها حين سأمت الأمر .. كانت نهاية أغنية ما لم تلحظها  من تلك الأغنيات بلا معالم تذكر..  لكن بعدها  جذب انتباهها  ذلك العزف الذي تعرفه .. صوت فيروز يتغنى بشيء لم تعرفه يوما  و لكن تمنت أن تفعل.. أغنيتها المفضلة .. و الآن  و هي تمر بكل تلك المشاعر .. و تصغي .. حتى ..

” يا حبيبي أنا عصفورة الساحات .. أهلي ندروني للشمس وللطرقات .. “

و تعبث برأسها الذكريات …

” لسفر الطرقات لصوتك يندهلي مع المسافات “

تتذكر منذ سنوات .. حين كانت تتردد تلك الكلمات  .. تضع رأسها على ذراعيها .. للحظة ترى شيئا مختلفا .. حياة مختلفة تماما .. الألحان العذبة للحظات قليلة كانت تحملها بعيدا .. والآن تريد أن تنام على ذراعيها مرة أخرى .. وتشرد كعصفورة .. تناجي شخصا ما لم يتواجد يوما إلا في تلك المملكة البعيدة .. فهل ستصل يوما إلى تلك المملكة .. لا بد انها شردت .. لم تفيق إلا على ارتعاشة جسدها كله … تنتفض .. تفلت  منها عجلة القيادة .. ننشبث بها .. تتفادى الافريز لكن توشك على الارتطام بسيارة النقل تلك ..  لا تعرف ما تفعل .. أغمضت عينيها لثانيتين .. ثم فتحتهما .. لقد عبرت من جانب تلك السيارة قبل الارتطام .. زفرت ماحية الخوف عنها .. و حمدت ربها .. قد كان الأمر وشيكا ..

و مع ذلك  نظرت سريعا في المرآة الأمامية ثم نست كل شيء و هي تستمع …

” و بحبك ع طريق غياب بمدى لا بيت يخبينا و لا باب .. خوفي لا الباب يتسكر شي مرة بين الأحباب “

*******************************************

مضت ..و من الغريب انها وجدت المكان الذي لم تعرف انها  ستذهب إليه ..  الحي الجديد الذي سوف تنتقل له قريبا .. وجدت الفرصة سانحة لتفقده .. ترجلت و سارت بضعة خطوات وسط حدائق نصف نامية .. من الغريب أن الليل قد حل عليها  بتلك السرعة.. لم تكن تخشى الظلام .. عجبا ..ظلام الليل كان يضئ داخلها .. لماذا تخافه إذا كانت قد قابلت قلوبا أكثر ظلمة من سواد الليل الحالك ..

” هل أنت الساكنة الجديدة ؟ “

جفلت .. و التفتت خلفها لتنظر إلى رجل في أواخر عقده الثالث .. وقبل أن تتكلم  بادرها قائلا :

– آسف إذا كنت قد أخفتك … مرحبا بك أولا ..

– أهلا بك .. حضرتك من السكان هنا ؟

– نعم .. منزلي قريب من هنا .. لم لا تتفضلي معي ؟ سوف يتسنى لك التعرف على زوجتي و صغيراي ..

– جزيل شكري .. ربما مرة أخرى بإذن الله ..

– ألا تودين التعرف على جيرانك أم ماذا ..  سوف تسعد زوجتي كثيرا .. كذلك الصغيران .. سوف تحبينهم كثيرا ..

لم تستطع أن تبدي المزيد من التمنع .. كانت بالفعل في حاجة إلى أن تتعرف إلى  آخرين .. و أن تعتاد على هذا المكان ..

قطع تفكيرها صوت سارينة سيارة إسعاف .. جالت ببصرها لكن لم تستطع رؤيتها .. لا تعرف لماذا انقبض قلبها و شعرت الخوف .. و قد لاحظ رفيقها ذلك على ملامحها :

– ماذا هناك ؟

– لا شيء .. فقط صوت سيارة الإسعاف جعلني أنقبض قليلا ..

– و ماذا يعني لك هذا الصوت …

– لا أعلم .. و أنا صغيرة كنت حينما اسمع الصوت أفكر هل تحمل السيارة أحد المرضى حقا .. أم السائق فقط يريد أن يمر سريعا …

افتعلت ضحكة قصيرة و لكن جاءت لتكشف عن توترها ..

– و الآن ؟

– الآن هذا يعني أن ربما السماء صارت أدنى إليك من الآخرين …

تسمر قيلا واقفا في مكانه .. ربما لم يجد ردا مناسبا .. ثم  استمرا في السير من جديد..

” وصلنا “

بعيون متعجبة متسائلة استقبلوها .. لكن احتفظوا بتلك التساؤلات بداخلهم منتظرين حديث الأب ..

– حسنا .. أحمد و سمية  ولداي .. و سهير زوجتي .. و هذه الآنسة …. تذكرت شيئا هاما .. أنا  حسن …

– و أنا مريم .. سوف أكون جارة لكم .. سعدت بمقابلتكم ..

لكن أحدهم لم يتحدث .. فقط ارتسمت البسمات على وجوههم  في نظرات مستقبلة محيية .. و لم تطل دهشتها .. شغلها عن ذلك اللألم المباغت الذي حل بها ..  قلبها ينتفض و كأنه يريد أن يثب خارج جسدها ..الألم .. لم تعد تحتمله فتهاوت جالسة  .. غير أن الألم لم يستمر طويلا .. لكن حين نظرت حولها لم تجد أحد قريب لمساعدتها سوى حسن .. كل كان مشغول بشيء يفعله .. و كأن ما حدث لها هو شيء معتاد .. و الغريب هو ألا يحدث !!

– ماذا حدث ؟ هل أنت بخير …

– شعرت و كأن قلبي يريد أن يثب من موضعه .. لا أدري ماذا حدث لي !!

لم يزد شيئا عن ابتسامة صغيرة مشجعة …

ابتلعت دهشتها ثم قالت :

سعدت جدا بتلك المقابلة .. و بإذن الله سأعاود الزيارة .. تشرفت بمعرفتك يا مدام سهير ..  و آمل في مشاركتكما بعض اللعب يا سمية ..

تبادل الشقيقان  نظرات ضاحكة   ثم افترشت سمية الأرض دون حراك حين همس أحمد :

– نعم  .. طبعا .. لعبة صيد الموتى الأحياء …

لم تسمع مريم سوى رده بالموافقة لهذا لم تعلق أهمية كبيرة على الأمر ..

” انتظري سوف أوصلك ” ..

– لا داعي لهذا  أستاذ حسن .. المنزل قريب من هنا يمكنني أن أبيت هناك اليلة …

– حنا سأوصلك للمنزل …  حتى لا تسيري وحدك ليلا …

لا أريد أن  أتعبك .. لا يوجد ما يدعو لهذا .

– لا يوجد أي تعب .. هيا بنا ..

سارا معا و في الطريق يسألها حسن : لماذا تنتقلين إلى هنا ؟

– لا أعلم .. وكأنني كنت أهرب من لا شيء .. سأفتقد كل من أعرفهم .. هل تعتقد أنهم سوف يزوروني من آن إلى آخر ؟

– لست متأكد .. في البداية يزورونك لمشاهدة مكان اقامتك الجديد .. ثم يقل الأمر تدريجيا .. الأمر يشبه أن يزورك أحدهم .. ثم بعدها يتصل .. و في النهاية يلجأ إلى الرسائل البريدية التي تقل يوما بعد يوم .. إلى أن يأتي اليوم الذي لا يصل فيه المزيد أبدا ..هل هم أقرباء جدا إليك ؟

لم تجب .. لم تملك إجابة .. يكفيها كم الذكريات التي تملأ رأسها عن آخرها ..  تذكرت صديقاتها … كل ما مضى .. كل تلك الضحكات و النظرات المتبادلة في فهم … الضحك حتى الدموع .. لواحدة حتى يجري الدم في كل وجهها .. و لأخرى حتى تسقط أرضا .. كل هذه الكلمات التي تبادلوها عن أحلامهم .. و الإهداءات المكتوبة .. الكلام عن طرحة ثوب العرس التي سأضعها لك أنا بيدي .. و لست مسئولة عن الكارثة الي ستحدث إذا حدث عكس هذا .. أبنائي سيكونوا أصدقاء أبنائكن .. و يجب أن يكونوا جميعا في مدرستنا هذه … تلك الصراحة بينهن …

” لم أكن أحبك سابقا .. و كنت أغار منك ” .. ألم يكن هذا ما تبادلوه …

و حين ضحكت و بكت في آن واحد .. ثم احتضنتها هي و أخذت تبكي هي الأخرى .. لا لشيء  إلا لأنها قد شعرت بها ..  و تأخرن كلهن على تلك الحصة بسببها ..

” و عوقبنا جميعا لثلاثة أسابيع ” … لم تلحظ إرتفاع صوت ذكرياتها .. و ساعدها رفيقها على ألا تفعل .. لم يسألها عن شيء ..

ألم نتاعهد على ألا نفترق .. على أننا لن نستطيع العيش إذا تركتنا واحدة منا ..  كم هو مدهش كيفية تفرق السبل إلى هذا الحد .. أن تكون بين يد ساحر شرير يدعى الزمن .. يجعل كل ماضي يتبخر في الهواء ..

اللعنة .. الألم ذاته مرة أخرى .. كأن قلبها سأم احتجازه داخلها و يريد الهرب من سجن ضلوعها ..

” ها قد وصلنا “

– نعم هذا هو .. أشكرك سيدي ..  تفضل لتسترح قليلا ..

– منزلك رحب و  مريح .. حظك جيد .. لدي أصدقاء من أحياء أخرى يشكون ضيق  مساكنهم ..

– نعم أراه مريح و جيد .. لكن …

و بدت انها تذكرت شيئا…

– ماذا ؟

– أشيائي .. انها لم تصل .. لا أعرف كيف سأبقى دون أتنقل معي متاعي .. أخاف ألا تصل إلى هنا ..

– لا تقلقي .. هذا يستغرق بعض الوقت .. غد أو بعد غد إذا تأخرت .. لا تقلقي ..لا مجال لأن تضيع طالما أنك هنا .. الآن عليك فقط أن تنامي لتستريحي بعض الوقت ..

راقب تقلصات وجهها و هي مستلقية ..

– ماذا هل هو ذات الألم مرة أخرى ؟

– نعم .. هذا فظيع .. أنه يمزقني ..

– هذا زمن سيء .. كثيرون يشتكون من هذا .. تجلدي .. هذ آخر مرة سوف تشعرين به .. لكنه سيكون مؤلم بعض الشيء .. لكن تكونين أفضل بعدها .. ثقي بي ..

بدت في  إعياء .. و همدت تقلصات وجهها .. ثم أغلقت عينيها في رضا :

هذه المرة الأخيرة… غدا سوف تصل  أو بعد غد .. المنزل مريح  ..  لكننا عوقبنا لثلاثة أسابيع …

************************************

” آه يا حبيبي و بحبك ع طريق غياب .. بمدى لا بيت يخبينا و لا باب .. خوفي للباب يتسكر شي مرة بين الأحباب “

***************************************

” للأسف … فقدنا المصابة “

تحدث في أسى و هو يبعد جهاز الصدمات الكهربائية عن الجسد المسجي أمامه و الذي فقد كل  مظاهر الحياة ..

تمت بحمدالله

Advertisements

8 تعليقات

  1. رائع.. بس ليه هاي الصورة ؟

    يوليو 4, 2009 عند 3:46 ص

  2. الساحرة الصغيرة

    سيران .. حبيبتي تسلمي ع المرور الجميل .. و على رأيك الأجمل …
    الصورة لأني بحبها كتير … يعني عينيها فيها براءة .. يمكن في الأول تحسيها مخيفة .. لكن يعد ذلك تشعرين أنها خائفة و لا تخيف .. وجهها الجامد .. خصلات شعرها الثائرة .. معبرة جدا و كمان ملائمة لجو القصة .. أعتقد أنه قاتم قليلا …
    مرورك أسعدني جدا غاليتي …
    دمت أخيتي العزيزة

    يوليو 4, 2009 عند 6:46 ص

  3. حسن يحيى

    كعادتي لا خلق ولا بال لي – للأسف – لقراءتها , احببت ان اسجل مروري فقط .

    سلامي للجميع .

    يوليو 5, 2009 عند 1:41 م

  4. حسب معلوماتى والتى أعتقد أنها صحيحة
    أنك صغيرة السن تقريباً فى المرحلة الاعدادية
    لكن ماشاء الله.. كتاباتك سابقة لسنك
    وهذه القصة من يقرأها يقول أن من كتبها لديه خبرات حياتية
    وحصيلة لغوية كبيرة…..

    فكل التقدير والاحترام

    يوليو 8, 2009 عند 1:37 ص

  5. مجهود اكثر من رائع
    اتمنى لك النجاح
    و استمرى فى الكتابة
    تحياتى
    احمد مجدى

    يوليو 10, 2009 عند 2:04 م

  6. الساحرة الصغيرة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته …

    أخي حسن يحيى … غريبة عكس ما أعرفه عن خلقك الرائق و طولة بالك الكبيرة …
    ماشي ماشي .. صحيح مفيش تعليق بس مرورك كافي جدا …
    هههههههههههه
    بس هتقراها هتقراها .. مكتوب عليك

    يوليو 14, 2009 عند 3:07 ص

  7. الساحرة الصغيرة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته …

    اخي و أستاذي الفاضل محمد الجرايحي الذي دائما أعتز بوجوده هنا .. و دائما كلماته لها وقع عظيم علي .. و حقا افتخر برأيك أخي .. و يكفيني وجودك هنا …
    صراحةأعجز عن وصف سعادتي بكلماتك التي أعتز بعا و بك كثيرا اخي …

    جزيل شكري لك و دمت بكل الخير …

    يوليو 14, 2009 عند 3:09 ص

  8. الساحرة الصغيرة

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته …

    أخي أحمد مجدي أهلا بك بعد ذلك الغياب الطويل .. جزيل شكري أخي على مرورك العاطر و رأيك ..
    يا رب بالنجاح و التوفيق لك و للجميع …
    وو إن شاء الله استمر بدعواتكم
    خالص تحياتي و سلامي لك

    يوليو 14, 2009 عند 3:10 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s