لطالما كرهت منتهى الأشياء.. و رقصت دوما على السلالم ؛ لألا تفقد المعاني مرادفاتها

Archive for نوفمبر, 2015

هجرة الطير العاصي ( قصة قصيرة )

وطأت قدماه الأرض أخيرا.. رغم إنتشائه الأول بتحليقه في السماء ، إلا أن أرضا أخرى يخطو فوقها كانت حلما أقصى .. باريس ، و النور ، و إشراقة مختلفة كليا ً؛ يملؤها بنظرات راغبة مشتاقة.

قديما ،  تعلم كيف يتلصص،  و يسرق بنظراته ما ليس له .. أما في تلك الأرض فما عليه إلا أن يرضي عينه المريضة كما يشاء .. و بلا حساب !

كان فنانا ً ، لم ير أحد له رسما ً إلا و أقر بذلك .. موهبة فطر عليها طبيعياً ،  و أثقلها  حبه للتميز، و رغبته في إجادة هذا الفن . كان يرى باريس اختيارا ً مناسبا ً له بسبب الدراسة الفرنسية التي تلقاها  ، و معرفته بصديقة فرنسية ، تعرف إليها خلال زياتها لأحدى المعارض التي قامت بها كليته، بحكم دراستها للفن .. و كان يهرب ! كان شخصا يستطيع أن يهرب من جلده .. و علمته طول عشرته للألوان كيفية التلون بألف لون و لون ..كالكيان الضائع ، يريد أن ينتسب بأي شكل لشيء غريب عنه ، و غريب عن معرفته ..

و عادة لا يفتح  أي مجتمع  صدره لغريب  ، حتى لو ظهر عكس ذلك .. يظل دائما وأبدا ذاك  المجتمع غريبا عنك .. لكنه حسب عكس ذلك ، كان يعد نفسه كمرض خبيث  لا يدخل جسد إلا و و قد استشرى في كل إنحائه ، و يتمسك بالبقاء .. و كم كان غريبا و غير تقليديا أن يشبه أحدهم نفسه بالمرض .. لكن هو أعجبه ذلك ،  و فخر به .. و فوق هذا و ذاك ؛ حرص عليه  !

و تمر به الأيام جديدة عليه ، يحاول ألا يبدو كقروي ساذج .. يتعارف إلا هذا ، و ذاك ، و تلك .. و كثير من النفاق و معسول الكلام و التدليل لتثبت له قدما على تلك الأرض . و خلال أيام قليلة وجد نفسه يعمل في مسرح من مسارح باريس .. مارس التمثيل ،  و قد امتلك موهبة لا بأس بها ،  و مارس فنه في صنع ملصقات للعروض و خلفيات المسرحيات .. كثيرمن الموهبة  ،و كثير من التوسط ، و صار شيئا يذكر.

و بلا قيود و لا مسائلة لازم الملاهي الليلية كملازمته لاسمه .. حياة فارغة ، و بلا قيمة ملأها بمعاقرة ثلاث : القمار ، و الخمر ، و النساء .. هكذا تصير الحياة : من طاولة إلى طاولة ، و لكل طاولة كؤوسها ، و كل كأس بين ذراعين مختلفين  .. إنها الحرية : تلك النغمة التي يمطها كل على  حسب عزفه المنفرد !

هكذا اكتملت دائرة حياته !!

***************

(المزيد…)